|
من المشتهر أنّ الراهب يتقدّس في ثلاثة أمكنة: ديره (حيث له منه قلاّيته)، وكنيسته وحقله. وفي هذه الثلاثة هو على اتّصال مستمرّ مع ربّه لهذا هو في صلاة دائمة. ففي قلايته – صومعته هو يصلّي، وفي كنيسته هو يصلّي إمّا مع جماعة الدير أو وحده، وفي الحقل مجال عمله هو يصلّي.
والعلماني لمّا كان يدعو الراهب "معلّمي"، فهو إنّما كان مثاله في كلّ شيء في فكّ الحرف أي في القراءة والكتابة، وفي اصلاح الأرض من تهيئة الجلال وزرعها ومن بنيان الحيطان ودعمها، وتشذيب الأشجار وتطعيمها، ومن شدّ الأحذية وغيرها. أمّا الصلاة فهو كان يُتقِنها. ساعات الصلاة هو يعرفها أقلّه هو يعرف لماذا يُقرَع الجرس وأي متى.
في بيته هناك رفّ لصور القديسين. في الصباح يقف أمامهم ويطلب اليهم أن يكون التوفيق رفيقه. وفي المساء يقف أمام رفّ الصور يشكرهم على النهار الذي مضى بأمان وسلام. هو أيضاً على مثال معلّمه قد تقدّس بين ثلاثة: البيت والكنيسة والحقل، وهو كان يصلّي في هذه الثلاثة. إذا أرعدت وأمطرت واشتدّ الطقس فأثلجت وطال نزول الثلج هو يصلّي لكي يخفّف الله عنه الطقس العاطل، وإذا تحسّن الطقس فتشكر العائلة الله وتصلّي له. وهي عادة قديمة ومتأصّلة في عائلاتنا، إذ كانت الأمّ خاصة والأب معها والأولاد حواليهما يصلّون المسبحة وأحياناً الوردية وطلبة العذراء وزياحها، وذلك كلّ ليلة. الوالدة تصلّي وهي ساجدة.
وما إن يُقرَع الجرس في الصباح الباكر حتى يذهب الجميع الى الكنيسة لسماع القداس. وكان الأب يقود عائلته الى الكنيسة. ويدخلونها معاً والويل لِمَن يتأخّر. وفي الكنيسة يجلس الأولاد في المقاعد الأمامية، والأهل في المقاعد الخلفية حتى يراقبوا أولادهم. عيون الأهل هي على الأولاد. وهؤلاء هم كالملائكة. مَن يجسر على الالتفات هنا أو هناك. عيون الأولاد هي على الكاهن والى المذبح يوجّهونها. وهم ينتبهون الى القراءات. وهناك الفحص – السؤال على ما قال الانجيل. فالقديس بولس صعب هو، لهذا لا يُطرَح الفحص – السؤال حوله.
وكانت الكنيسة، بيت الله، تقسم الى قسمين. القسم الأمامي للرجال، والخلفي للنساء. وكانت هناك شَعرية تفصل بين الرجال والنساء. وكان في الشعرية يقع منبر الاعتراف. فالنساء كنّ يعترفنَ من جهتهنّ والرجال من جهتهم. ولمّا كانت النساء يتقدّمنَ من المناولة، يمررنَ بين الرجال. ويقول أحد المستشرقين (أي كاتب من الغرب يصف في كتابه كيف يعيش الشرقيون) واصفاً النسوة اللواتي يتقدّمنَ من المناولة وهنّ يمررنَ بين الرجال كأنّهنّ يمررنَ بين النار أي أنهنّ يمررنَ بخشوعٍ وتقوى.
الراهب يصوم والعلماني يصوم الصيامات كلّها، والراهب يصنع الإماتات والعلماني يصنعها ويزايد عليه. مرّة سُمِعَ راهب يقول لشاب "أخبِرْ أمّك أنّي قطعت عن النار" أي كلّ ما تلمسه النار لا يأكل منه. والراهب يطوي أي أنّه يتناول طعام الغذاء يوم خميس الأسرار ويمرّ مساء الخميس ونهار الجمعة وصباح السبت وعند الظهر يتناول الطعام. وكم علماني يطوي أيضاً.
الراهب يذهب الى حقله، والرجال والنساء الى حقولهم أو أنّ النساء تلحق بالرجال وتحمل طعام الغذاء ويكون عادة من حواضر البيت. الرهبان والعلمانيون وهم في طريقهم الى حقولهم يحملون في أيديهم المسابح يصلّونها، ولا أحد يتكلّم مع أحد في الطريق. اللهمّ انحناءة الرأس، يحنون الرؤؤس لبعضهم البعض. أنا أذكر أنّ جدّتي، ولا مرّة خرجت من بيتها إلاّ وسبحتها في يدها تصلّيها. ولا تكلّم أحداً في طريقها. ويكون أحياناً أنّ أحفادها يتبعونها. فتقطع صلاتها وتسألهم: الى أين؟ لاحقينك. فتجيب إن شاء الله بتلحقوني عالسما يا ستّي.
العائلة كلّها تعمل في الحقل، بل قلْ تتقدّس. الكبار يرعون الماشية وهي كناية عن عنزة وصغارها. والصغار يلهون حول أخيهم بنيامين العائلة. والبقية الباقية تعمل مع الوالد. يدقّ الجرس كلّ يوم عند الظهر. فيتوقّف العمّال الكبار منهم والصغار عن العمل، ويفرشون الزاد على الأرض. ولا يمدّ أحدهم يداً الى الطعام حتى تُقال صلاة التبشير. وما ان ينهي الوالد الأكل، وما أن تضحّي الوالدة في سبيل العائلة، حتى ينهض الوالد نافخاً في يديه والى العمل والكدّ والنشاط حتى غروب الشمس. وعندها يدقّ الجرس ويتّجه الجميع الى الكنيسة فالى البيت حيث ينامون.
في هذا الجوّ التقوي عاش شربل فجرن المعمودية أخذ اسمه، جرن معمودية شربل، والمغارة التي كان يختلي بها مع الله هي مغارته، وبيته الوالدي حيث تعلّم الصلاة، وحيث كان الوالد والوالدة قدوة له أصبح بيت مار شربل، وبقاعكفرا غدت ضيعة مار شربل. تقدّس بين محاور ثلاثة: بيته الذي كان ولا يزال كنيسة، وكنيسته التي أصبح فيها ابناً لله، وحقله حيث كان يرعى عنزات لأبيه أصبح حقل شربل. ويُخْبَر أنّه كان يحرث كرماً طيلة سنة، ولمّا يحين القطاف يقطف عناقيده دون أن يذوق حبّة واحدة من حبّاته إماتة. وانتقل من بقاعكفرا الى عنايا حيث أكمل ما ابتدأ به في عائلته. آمين.
بقاعكفرا في 8 أيار 2012 المطران فرنسيس البيسري
|